في عصر العولمة وكثرة التنقل بين البلدان، يواجه الكثير من أولياء الأمور العرب في المهجر تحديًا صعبًا: كيف يتعلم الطفل اللغة العربية ويحافظ عليها وسط محيط لا يتحدث بها؟
الحفاظ على اللغة العربية في المهجر ليس مجرد تعلم لغة إضافية، بل هو مرتبط بالهوية والانتماء، وببقاء الجسر حيًا , بين الطفل وجذوره الثقافية والدينية كما أنه يزيد من الروابط الأسرية ليصل للارتباط بالأسرة الممتدة
من خلال خبرتنا في المدرسة العربية الافتراضية في اليابان، التقينا بمئات الأسر العربية من مختلف أنحاء العالم، وجميعهم يشتركون في همٍّ واحد: الخوف من أن يفقد أبناؤهم اللغة العربية في الغربة
لماذا يفقد الأطفال اللغة العربية في المهجر؟
سيطرة اللغة المحلية: يندمج الطفل بسرعة في المدرسة والمجتمع، فيتحدث اليابانية أو الإنجليزية أو الألمانية معظم اليوم
قلة الممارسات اليومية: إذا لم يكن في المنزل بيئة محفزة، يضعف استخدام العربية تدريجيًا
غياب الدعم المدرسي: معظم المدارس في الخارج لا تقدم أي دعم لتعلم العربية
نظرة بعض الأهل: هناك أسر تعتبر أن الأولوية يجب أن تكون للغة المحلية فقط، فيتراجع الاهتمام بالعربية
قصص من الواقع: أطفال فقدوا العربية وأطفال حافظوا عليها
إحدى الأمهات في ألمانيا أخبرتنا أن ابنها كان يفهم العربية لكنه يخجل من استخدامها أمام زملائه، حتى عندما يلقى والدته في المدرسة كان يخفض صوته ويطلب منها أن تتواصل معه بالإنجليزية لا العربية, ومع الوقت بدأت الكلمات العربية تتفلت منه
على الجانب الآخر، لدينا طالبة في أستراليا عمرها ٨ سنوات، تدرس معنا منذ عامين، واليوم أصبحت تقرأ القرآن، رغم أنها تدرس في مدرسة أستراليّة بدوام كام
هذه القصص تلخص الفارق بين من يعتمد فقط على الجهد الشخصي لبناء اللغة العربية أو يستعين بمدارس تعينه في رحلته للحفاظ على العربية
إحصائيات مهمة حول اللغة العربية في المهجر
تشير دراسات إلى أن أكثر من 70% من أبناء المهاجرين يفقدون القدرة على التحدث بلغة الوالدين مع بلوغ المراهقة
بحسب اليونسكو، الأطفال الذين يحافظون على لغتهم الأم إلى جانب لغة البلد المضيف يحققون تحصيلًا دراسيًا أعلى بنسبة 20 بالمئة
دراسة كندية أظهرت أن 90% من الأسر التي التزمت بالتحدث بالعربية يوميًا في المنزل حافظ أطفالها على مستوى جيد من اللغة حتى المرحلة الإعدادية
التحدث بالعربية في المنزل
أبسط وأهم قاعدة: التزموا بالتحدث مع الأبناء بالعربية يوميًا حتى لو كان باللغة الدارجة – العامية – وإن أجابوا بلغة أخرى، استمروا في الرد عليهم بالعربية, فذلك يعطي الطفل رسائل ضمنية بالثبات على اللغة والانتماء لها. كما أن الإنسان يكتسب اللغة بالسماع من بيئة تتخاطب بالعربية يوميا, فيبدأ بناء اللغة من لحظة الميلاد, اللحظة التي يهمس فيها الوالدان بأذني طفلهما تعبيرًا عن حبهما له. ووازنوا بينها وبين لغة البلد المضيف كي لا تطغى على اللغة العربية كما حصل مع أم سمية
تواجهني صعوبات في تعليم أولادي اللغة العربية في المهجر
قالت أم سمية وهي سورية مقيمة في اليابان حيث ذكرت كنا قد ألحقنا ابنتنا بالحضانة مذ كان سنها أربعة أشهر حيث الجميع يتحدث اليابانية, ومع غيابها لساعات طويلة في الحضانة في ظل انشغالي ووالدها بدأت شيئا فشيئا تكتسب اللغة اليابانية, كنا نتحدث معها بالعربية لكن كانت فترة تواصلنا معها قصيرة مقارنة مع فترة تواصلها مع مجتمع الحضانة, لتفاجئنا لاحقا بأولى كلماتها المنطوقة في البيت كانت باليابانية لا العربية, استمرينا معها بالتواصل بالعربية بنفس الوتيرة, وبدأت تتقدم بالسن لكن لاحظنا أن لغتها الأولى لم تكن العربية بل كانت اليابانية وجاءت العربية كلغة ثانية, كانت لا تتمكن من سرد فكرة متكاملة بالعربية لا بد وأن تضع كلمات يابانية حتى تكمل فكرتها
القصص والكتب العربية
خصصوا وقتًا أسبوعيًا لقراءة قصة عربية. هذا يعزز المفردات العربية ويجعل اللغة جزءًا من الروتين الأسري

اللغة العربية في المهجر
الدروس المنظمة عبر الإنترنت
الكثير من الأسر وجدت أن الحل الأكثر فاعلية هو تسجيل أبنائها في مدرسة عربية عن بعد -أونلاين-. في المدرسة العربية الافتراضية في اليابان مثلًا، يتلقى الأطفال دروسًا مباشرة مع معلمين متخصصين، مما يحفزهم على استخدام العربية في سياق تعليمي جاد
وقد ذكرت أم أشرف – وهي سورية مقيمة في ألمانيا – تجربتها في تعليم اللغة العربية في المهجر لأبنائها مع وبدون المدارس الافتراضية
واجهت تحديات بتعليم أبنائي العربية في البيت, خاصة مع عدم تجاوب ابني, وشعوره المستمر بالملل من أساليبي التعليمية, وأضافت: حتى أني اقتنيت له بطاقات الحروف ونتابع بعض البرامج بالعربية إلا أنها لم تكن كافية لجذبه ولا لبناء لغوي متين كما بُنيت لغتنا نحن الأمهات, عدا عن كوني أمًا عاملة, الأمر الذي يجعل الالتزام بتعلميه صعبا جراء ضغط العمل خارج البيت وداخله, بينما كان إلحاق ابني بمدرسة عربية افتراضية تدرس عن بعد نقطة فارقة برحلتنا التعليمية فأول ثمرة كانت ثبات وقت الدروس اليومي الأمر الذي ساعدنا على الالتزام, كذلك توفر خطة درسية ومناهج متسلسلة جعل التطور اللغوي يبدو واضحا عند ابني, لدرجة حتى معارفنا ميزوا تحسن لغته خلال لقائنا معهم بعد ستة أشهر من التزام ابني بالدروس بشكل يومي
الأنشطة الثقافية
الغناء، مشاهدة الرسوم المتحركة بالعربية، وحضور أنشطة للجالية العربية كلها وسائل تبقي الطفل مرتبطًا بلغته,
منتميا لبني جلدته, الذين يشاركونه القيم وليس فقط اللغة, وبذات الوقت تزيد تلك الأنشطة من المفردات اللغوية, والتراكيب والجمل معوضة له فقر البيئة اللغوية المحيطة
الربط بالهوية والدين
عندما يفهم الطفل أن العربية هي لغة القرآن ولغة تواصل العائلة الكبيرة في الوطن الأم، يزداد حماسه لتعلمها
كما ذكرت أم حسن وهي من المغرب مقيمة في فرنسا: تحرص على أن يتواصل أبنائها مع أفراد عائلتها عبر الإنترنت وتطلب من أهلها محاورة أولادها بالعربية حتى يبقوا على ارتباط مع الأسرة الممتدة, كما أضافت أنها تحافظ على هذا التواصل منذ كان أطفالها بعمر الأشهر فتتواصل مع أحد أفراد أسرتها في المغرب مرتين أسبوعين على الأقل وغي كل مرة تتحادث بشكل جماعي بحضور أطفالها, فحتى عندما تقدموا بالسن بقوا قادرين على التواصل مع تواجد ألفة فيما بينهم
كما أردفت: نخصص وقتا شبه يومي لتلاوة القرآن معا, ونؤدي الصلاة جماعة قدر المستطاع حتى يبقى أطفالنا مقدرين للغة العربية ويتعرفون عل ارتباطها الوثيق بالدين
دور الأهل في الحفاظ على اللغة العربية في المهجر
كما لاحظنا من تجارب الأهالي المغتربين
الدور الأكبر يبقى على الوالدين في المهجر، مع الحرص على تنويع الأساليب والأدوات والاستعانة بكل ما من شأنه أن يحافظ على اللغة العربية حية على ألسنة أبناء المغتربين في بلاد المهجر.
سؤال لك أيها القارئ: هل جربت أن تخصص يومًا كاملًا لللتواصل باللغة العربية في المهجر داخل بيتك؟
لماذا تُحدث المدارس الافتراضية فرقًا كبيرًا في الحفاظ على اللغة العربية في المهجر؟
وجود إطار منظم ومتابعة من معلمين متخصصين ومناهج متسلسلة وخطط دراسية يحدث فرقًا كبيرًا
الطفل الذي يتعلم معنا يكتسب ثقة في استخدام اللغة
يتفاعل مع أقرانه في بلده الأم بثقة وقدرة ظاهرة على مواكبتهم في التعبير
يجد الأهل دعمًا تربويًا ويشعرون أنهم ليسوا وحدهم في هذا التحد
نصائح ذهبية للأهالي لتعليم اللغة العربية في المهجر دون عناء
اجعلوا العربية لغة المشاعر في البيت (الحب، التقدير، الدعاء)
لا تستخدموا العربية فقط وقت العقاب أو الجد، بل اجعلوها لغة الفرح والمرح
وفروا للأبناء محتوى ممتع بالعربية: قصص مصورة، أناشيد، برامج أطفال
اصبروا، فتعلم اللغة رحلة طويلة وليست سباقًا قصيرًا
أكثر ٥ أخطاء يقع فيها الأهالي عند تعليم اللغة العربية في المهجر لأبناء المغتربين
الاعتماد على المدرسة وحدها وتجاهل دور البيت
حصر العربية في أوقات الدرس فقط
“الاستسلام بسرعة بحجة أن الطفل “لا يريد
المحتوى الممتع كالأغاني والقصص وبرامج الأطفال باللغة العربيةالتحدث مع تجاهل الطفل بلغة البلد المضيف داخل المنزل.
هويتنا تبدأ من لغتنا
الحفاظ على العربية في المهجر ليس سهلًا، لكنه ممكن ومثمر. يحتاج الأمر إلى
دعم مجتمعي عبر الجاليات
التعليم المنظم عبر مدارس عربية وجاهية أو افتراضية
جهد الأسرة في البيت
أبناؤنا يستحقون أن يحملوا هويتهم بفخر، وأن يتحدثوا لغتهم الأم بطلاقة، حتى لو عاشوا بعيدًا عن أوطانهم.
إذا كنتِ أماً أو أباً تبحث عن طريقة عملية وفعّالة للحفاظ على العربية عند أطفالك، يمكنك تجربة المدرسة العربية
الافتراضية في اليابان، حيث نقدّم برامج متنوعة تناسب مختلف الأعمار والمستويات
بعض المراجع:
